طـــــريــــــــق الـــهــــدايـــــــة

 

أسبَغ الله على عبادِه مِننًا جليلةً، وأعظمُ النِّعم وأعزُّها نعمةُ الهداية لهذا الدّين، وبفضل الله اهتدى المهتدون، وبعدله ضلَّ ضالّون، قال سبحانه: ﴿ فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ﴾ [الأعراف: 30]، والهدايةُ مِنحةٌ منَ الكريم لا تُسدَى لكلِّ أحَد، ولا تتحقّق بالآمالِ والأماني، وقد تتخلّف مع وجودِ أسبابها، ﴿ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ ﴾ [الحجرات: (17)  ،ولا نجاةَ من العذابِ ولا وصولَ إلى السعادةِ إلا بها، وهي أجلُّ نِعمِ الله الواجِب شكرُها، قال جلّ جلاله: ﴿ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ ﴾ [البقرة: 198]. ولعِظَم شأن الهداية لم يخلُ قومٌ من هادٍ ونذير وداعٍ إليها، قال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ﴾ [الرعد:( 7). ولا شك أن الهداية هدفٌ ينشده كل مسلم، مع تفاوت الناس في الطلب وصدق العزيمة وإلى كل راغب في الهداية ومتحرٍ لأسبابها، أسوق بعض الأسباب والعوامل المعينة بإذن الله على الهداية:

 

· توحيد رب العالمين وإفراده بالعبادة أعظم أبوابها قال تعالى﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنعام: 125]. فمفتاح شرح الصدر للإسلام التوحيد الذي لا يخالطه أدنى شك أو شرك مع الله، وإذا كان الهدى والتوحيد من أعظم أسباب شرح الصدر فإن الشرك والضلال من أعظم أسباب ضيق الصدر وحرجه.

·كتابُ ربِّ العالمين منارُ الهدى والصلاح﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا [الإسراء: 9]، المداومةُ على تلاوة وتدبر معاني القرآن حفظٌ بإذن الله من الشّرور والفِتن وحصنٌ من الشّبهات والشهوات قال عليه الصلاة والسلام: " تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنة رسوله " رواه مالك والحاكم بسند حسن.

·الدعاء سببٌ مهم من أسباب الهداية وهو سلاح المؤمن في الشدائد والقمة الكبرى بلا جهد ولا ثمن قال جل وعلا في الحديث القدسي: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم ). فلابد لمريد الهداية والثبات من الاستعانة بالله عز وجل والرغب إليه وسؤاله الهداية والصلاح لأن فتحَ قلوبِ العباد بيَد الله وحدَه، لا للخلقِ منها شيءٌ سوى بذل الأسباب، ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾ [القصص: (56)، ورأسُ الأدعية وأفضلُها الدعاءُ بالهدايةِ، فإنه يجمع صلاحَ العبدِ في الدين والدنيا والآخرة. وأُمِر المسلم بأن يدعوَ ربَّه في كلّ صلاةٍ بأن يمنحَه الهداية ويثبته عليها، قال شيخ الإسلام رحمه الله: " أنفعُ الدعاءِ وأعظمهُ وأحكمُه دعاءُ الفاتحةِ ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]؛ لأنَّ العبدَ إلى الهُدى أحوجُ منه إلى الأكل والشرب ".

وطلبُ الثباتِ على الدين من أخصِّ أدعيةِ الصالحين ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8]. ولا سبيلَ إلى الجنّة إلا بسلوكِ طريق الهدايةِ ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ [الأعراف:( 43)

 

 ·   رفقة الصالحين والأخيار وحسنِ اختيار الأقران، فكم من ضال هداه الله على أيدي الصالحين الأخيار، وكم من فاجر وتائه شاء الله له الهداية على أيدي أقران ما زالوا به حتى سلكوا به طريق النجاة، وإذا كان المرء لا بد له في هذه الحياة من خليل فلينظر أحدكم من يخالل؛ فإن المرء على دين خليله..

فالجليسُ الصالح خيرُ عونٍ للهدايةِ، يذكِّرك إذا نسيتَ، ويعينك إذا غفلتَ، لا تسمعُ منه إلاّ قولاً طيّبًا وفِعلاً حسنًا. وقرينُ السوءِ يدعوك إلى البُعدِ عن الطاعات، ويزيِّن لك السيئاتِ، قريبٌ منك في السّرّاء، بعيدٌ عنك في الضرّاء، لا للمعالي يُعليك، ولا عن الدنايَا يجافيك، لذا شبّهه النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بنافخِ الكير الذي ينالك أذَاه على كلِّ حال.

 

وصحبتُه حَسرةٌ في الدنيا وندامةٌ في الآخرة، قال جلّ وعلا: ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا ﴾ [الفرقان: 27 - 29)

 

·  حضورُ مجالسِ العلماءِ من مواطِن الهداية، وتطهيرُ القلبِ من أدرانِ القوادح والحِفاظ عليه من تلويثِه بالشبهاتِ أو تدنيسِه بوَحل الشّهوات مِن أسباب الهداية، والشبهةُ إذا وَردت على القلب ثقُل استئصالُها وثَنتِ العبدَ عن القُرب من الربِّ.

 

وأسعدُ الخلق هم أهل الهداية، وأوّل الخير الهدَى، ومنتهاه الرحمةُ والرضوان، ومَن عرف الحقَّ واتّبعه فقد هدِي إلى صراطٍ مستقيم، وجُلِبت له السعادة والرزقُ والسرور، ومن تمسَّك بنور الهداية زادَه الله نورًا، ﴿ وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى ﴾ [مريم: ( 76)