إنا كفيناك المستهزئين

الخطبة الأولى

بسم الله الرحمن الرحيم

إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ

أما بعد: فإن الله سبحانه وتعالى اختار محمد صلى الله عليه وسلم من صفوة خلقه، وجعله خاتم رسله، وأمين وحيه، وأجب علينا محبته وطاعته، واتباعه، وتعظيمه، والتسليم والرضى بحكمه، ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ النساء65. لقد زكى الله خلقه ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ القلم4، وغفر ذنبه ورفع ذكره ﴿َلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾. ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾.

ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم واجبة على كل مؤمن، فلا بد أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أحب إليك من نفسك وولدك والناس أجمعين، ففي الصحيح،  «والذي نفس محمد بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وولده ووالده والناس أجمعين» أو كما قال.

ويقول الحق سبحانه: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ .

عباد الله:  لقد كان صلى الله عليه وسلم متصفا بكمال النفس، ومكارم الأخلاق، وبفصاحة اللسان، وبلاغة القول، وأوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل قبيلة بلسانها، ويحاورها بلغتها، (ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما)، كان يعطي عطاء من لا يخشى الفقر، وكان أجود الناس، وكان من الشجاعة، والنجدة  بالمكان الذي لا يجهل، قال عنه على رضي الله عنه،  (كنا إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق، اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه) .


 

الخطبة الثانية:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه ... أما بعد:

 فإن الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظ دينه وكتابه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾ وعصم نبيه من أعدائه وكفاهم شره واستهزائهم  فقال تعالى ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إِلـهاً آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ  وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ﴾.

قال ابن كثير أي بلغ رسالتك، واصدع بها ولا تلتفت إلى المشركين، الذي يريدون أن يصدوك عن آيات الله، ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴾ ولا تخفهم فإن الله كفيك إيام وحافظك منهم وعاصمك منهم، والذين كانوا يستهزؤون  به، صلى الله عليه وسلم ، أهلكهم  الله شر هلكة  في حياته، وهم (ورؤساء الكفر، الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الطلاطلة، وأهلكهم الله جميعا يوم بدر»  و﴿ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ ﴾  أي افزع إلى صلاتك «كان إذا حزه أمر ... ».

عباد الله: هذه الإساءات المتكررة على الدين الإسلامي وعلى نبي الإسلام وعلى المسلمين، وإن كانت مستفزة لمشاعر المسلمين،  ومستعدية للمسلمين.

الرد عليها ليس بالحرق والتدمير، وقتل الأبرياء، والأفعال غير المحسوبة التي تضر أكثر مما تنفع، ومن شروط تغيير المنكر أن لا يؤدي إلى منكر أعظم منه، وعند القاعدة الإسلامية، (ارتكاب اخف الضررين، ودفع أعظم المفسدتين).

فالرد ينبغي أن يضبط بالضوابط الشرعية بالتمسك بهديه صلى الله عليه وسلم فتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم سبب لغفران الذنوب، وعلامة التقوى قال جل وعلى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ﴾.

فالرسول صلى الله عليه وسلم أعداءه ولا يحتاج إلى من يدافع عنه، ولكن كل واحد منا بحاجة إلى أن يدافع النبي صلى الله عليه وسلم، حتى يثبت إيمانه،  «والله لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب .... ». وقد علق المفكر الإسلامي الكويتي ، طارق السويدان قائلا: «طبعا لا بد أن نغضب عندما يساء إلى سيد الخلق أجمعين، صلى الله عليه  وسلم وطبعا من أساء استحق التأديب، وطبعا لا بد أن نستعمل أكثر الطرق فاعلية في الرد على من أساء إليه،ومن أفضلها هداية الناس ونشر دينه، ونشر دعوته، ونتمنى إسلام الجميع بما فيها من أساء إليه  صلى الله عليه وسلم تفجير هؤلاء سيحقق عكس كل ذلك ولذا أنا ضد التفجير وليس لأني لا  تأخذني الحمية إذا تمت الإساءة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه: (الصارم المسلول) فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين وبآية قتال الذين أتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون».

والحاصل أن الرد على هذه الإساءات المتكررة من أعداء الإسلام على رموز المسلمين ومقدسات الإسلام الرد عليها يكون بالتوبة وبالبراءة من هؤلاء  وبالدعوة إلى الإسلام ونشره بالحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن، والإضرار بمصالح من يقوم بذلك و تشجيعه على مقاطعتة الاقتصادية والسياسية بطرق حضارية مسؤولة كاستدعاء السفراء والاحتجاج على تلك المواقف  وأن يعامل المسلمون أعداءهم بالمثل بالندية لا بالاستكانة والتبعية.