Untitled 1

 بسم الله الرحمن الرحيم

حديثي إليكم اليوم عن رجل رَّوع أوربا مرتين: مرةً حين قهر جيوشَها بسيفِه ، ومرةً حين شد نفوسها بنبله ..

 

كان نموذجا رائعا للقائدِ المنصورِ ، وكان المثل الجميل للحاكمِ المسلمِ ، وكان الصورةَ الكاملةَ للفارسِ النبيلِ ، والمسلمِ الصادقِ ، وكان المحرِّرَ لبلادَ الشامِ وفلسطينَ ، من استعمارِ الأوربيين بعدما استمرّ نحواً من مئةِ سنةٍ .

هذا الرجل انتزع من أصدقائِه ومن أعدائِه ، أعظمَ الإعجابِ ، وأصدقَ الحبِ ، وترك في تواريخِ الشرقِ والغربِ أكبرَ الأمجادِ ، وأعطرَ السجايا ، وكان اسمهُ من أضخمِ الأسماءِ التي رنتْ في سماء المجد ، ودوت في أرجاءِ التاريخِ ..يا ترى من هذا البطل الأشم ؟!! نعم هو ما خطر في بالكم ..وجال في خيالكم ..إنه  صلاحُ الدينِ الأيوبيُّ ..سقطتْ على أقدامهِ دولُ ، ووقفتْ على أعتابهِ ملوك ، وانقادتْ إليه الخزائنُ ، ومات ولم يخلفْ إلا سبعةً وأربعين درهماً وديناراً ذهبياً واحدا، ولم يتركْ داراً ولا عقارا ، فُجُهِّزَ وأُخِرجَتْ جنازتهُ ـ كما يُقسمُ القاضي ابنُ شدادٍ ـ بالديْنِ !! .

أيها المسلمون : لقد قرأتُ سيرةَ صلاحِ الدينِ مرارا ، فكانت أتعجب أشد العجب أنْ يظهر هذا الرجلُ العظيمُ  ، في ذلك الزمانِ الفاسدِ  !!

كان المسلمون قبل نورِ الدينِ وصلاحِ الدينِ ، على شرِّ حالٍ من الانقسامِ ..ففي كلِّ بلدةٍ دولةٌ مستقلةٌ ، في دمشقَ دولةَ ، وفي حماةَ دولةٌ ، وفي بعلبكَّ  ، وفي حلبَ وفي الموصلِ دولٌ ، وكان في كلِّ دولةٍ ملكٌ أو أميرٌ ، وكان أقصى مدى لصلاحِ الدينِ ، أن يكون كواحدٍ من هؤلاءِ الأمراءِ ، وإن هو ظهر كان أكبَرهم ، فكيف ظهر هذا البطل في مثلِ ذلك الزمان ؟

أمةَ الإسلامِ : لقد دهمتْ بلاد الشام قبل صلاحِ الدينِ حملتان صليبيتان ، جاءتا كموجِ البحرِ .. ساقهما الطامعون باسم الغيرةِ على النصرانيةِ  !!

وكانتْ لهم دولٌ ، دولٌ  لا دولةٌ واحدةٌ ، فلهم في القدسِ مملكةٌ ، وفي أنطاكيةَ إمارةٌ ، وفي طرابلسَ  وفي الرها ، حكومةٌ ، ولهم في يافا دولٌ وإماراتٌ طالتْ جذورُها ، وبسقتْ فروعُها ، وعششتْ بومُها ، وباضتْ وفرختْ ، وحسب أهلُها أنهم ماكثون فيها أبدا .

فكيف استطاع صلاحُ الدينِ أن يصنَع من ضعف المسلمين قوةً ، ومن انقسامِهم وحدةً ، حتى واجه بهم أوربا كلهَّا ، وأزال ما أمكن من بقايا الحملتين الماضيتين ، وردَّ الحملةَ الثالثةَ الهائلة التي رمتْه بها أوربة ؟!!

أتدرون أيها المسلمون كيف ؟

 إنه ما رد العدوَّ بعددِ المسلمين ..و ما رد العدوَّ  بُعُددِهم  ، ولكن رد العدو بالسلاحِ الوحيدِ الذي لا ينفعُ في هذا المقامِ غيرُه : بالإيمانِ ..يقول الله تعالى : (( إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )) غيّر صلاح الدين ما كان بنفسِهِ من الفسادِ ، فغيّر اللهُ على يديه ما كان في قومِه من الضعفِ والتخاذلِ ، كان يلهو ويعطي نفسَه هواها ، فتاب وأناب ، لم يَفسدْ بالإمارةِ كما فسد غيره بها ، بل صلح بها بعد أن كان هو الفاسدُ ..فأرجع اللهُ إليه النصرَ ((إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ))

استمد أخلاقَه وسيرتَه من أرثِ محمدٍ r .. فأعطاهُ اللهُ إرثَ محمدٍ r في الغلبةِ والظفرِ .

تمسك بالدين وأقام دولتَه على أساسٍ من الإسلامِ متينٍ ، فاستطاع بهذه الدولِ المتفرقةِ ، أن يحاربَ أوربا كلَّها ، أوربا الحانقةُ .. أوربا الحاقدةُ .. أوربا المتعصبةُ التي اجتمع ملوكُها جميعاً على حربِ فلسطينَ .

قرب العلماء الصادقين ..العلماء الربانيين ..العلماء الذين لا يداهنونه من أجل مصالح شخصية .. فكان مستشاريه وخاصتَه أعلامُ العصِر :  القاضي ابنُ الزكيِّ ، والقاضي ابنُ شدادٍ ، وكان كلما نزل بلداً دعا علماءه َ، ومن كان لا يأتي منهم أبوابَ السلاطين أخذ أولاده وذهب إليه ، كما ذهب إلى الحافظِ الأصبهانيِّ في الإسكندريةِ ، وكان يحرصُ على صلاةِ الجماعةِ ، و لا يتركُ الصلاةَ قط إلا في الأيامِ الثلاثةِ التي غاب فيها قبل موتهِ ، وكان يصومُ حتى في أيامِ المعاركِ ، وكان مكثِراً سماعَ القرآنِ يبكي من خشيةِ الله عند سماعِه ، ويواظبُ على مجالسِ العلمِ والحديثِ ، حتى في ليالي القتالِ ، لم يتركْ صلاةَ الليلِ إلا نادراً ، يلجأُ إلى اللهِ كلما دهمتْه الشدائدُ ، وضاقتْ عليه المسالكُ ، فيجدُ الفرجَ والنجاةَ ، لأنها إن سدتْ أبوابُ الأرضِ أحياناً ، فإن بابَ السماءِ لا يُسَدَّ أبدا ، وكان يقيمُ الحقَ ولا يحابي أحداً ، أخذ مرةً ابنَ أخيه تقيَّ الدينِ وأعزَّ الناسِ عليه بشكوى عاميِّ من دمشقَ اسمهُ ابنُ زهيرٍ ونكل به ،أما كرمُه وهوانُ الدنيا عليه ، فأمرٌ لا تتسعُ له الأحاديثُ .. وكان متواضعاً يطأُ الناسُ ثوبه عند ازدحامِهم للشكوى ، ويأتون إليه في أوقاتِ راحتِه ، ما كان يغضب لنفسه .. ولكنه إذا غضبِ لله ، لم يجرؤْ أحدٌ أن يرفعَ النظرَ إلى وجههِ ، وصار كالأسدِ الكاسرِ لا يقفُ أمامه شيءٌ ، وكان محتسباً صابراً ، لما جاءه نعيُ ولدِه إسماعيل ، قرأ الكتابَ ودمعتْ عيناه ، ولم يقلْ شيئاً ولم يعرفْ الناسُ ما في هذا الكتاب إلا بعد حين .

وكان حسنَ العشرةِ طيبَ الأخلاقِ ،وكان معتلاً بدماملَ ما تفارقُ نصفَه الأدنى ، ومع ذلك يركبُ الخيلَ ، ويصبرُ على الألِم ، ويخوضُ المعاركَ .

وأيُّ معارك ؟ إنه لا يكادُ يُعرفُ جيشٌ في الشرقِ والغربِ خاض من المعاركِ أكثرَ مما خاضه جيشُ صلاحِ الدين ، لقد ضرب كلَّ رقمٍ قياسيٍ إلى ذلك العصرِ ، خاض أربعاً وسبعين معركةً في مدةِ ولايِته على الشامِ ، في أقلِّ من تِسْع عشرةَ سنةً ، حارب هؤلاء الأمراءَ ، أمراءَ الموصلِ ، وأمراءَ حلبَ وحماةَ ، وحارب الحشاشين القتالين .

ولا يقلْ قائلٌ : كيف يحاربُ أمراءَ الإسلامِ ؟

فإن الذي يريد أن يبنيِّ له داراً لابد أن يزيلَ الأنقاضَ والخرائبَ ، فهو يهدمُ بيتَه الباليَّ ليبنيَّ بيتاً جديداً ، وكذلك فعلُ صلاحِ الدينِ ، ثم ابتدأتْ سلسلةُ المعاركِ الهائلةِ ، حروبٌ ما عرفتْ مثلَها أرضُ فلسطينَ .. حروبٌ ما عرفتْ مثلَها ديارُ الشامِ .. حروبٌ لا تقاسُ بها القادسيةُ ولا اليرموكُ ..وكان صلاحُ الدينِ ظافراً فيها جميعاً .

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم

الخطبة الثانية

أمة الإسلام : تلك المعارك التي خاضها صلاح الدين في كفة ..ومعركتنا هذه في كفة أخرى ..والتي لم يِكنْ في المعاركِ كلِّها معركةٌ أعظمَ منها ، ولم تنزلْ على رؤوسِ الصليبيين ضربةٌ أشدُّ من هذه الضربةِ التي تلقوْها من صلاحِ الدين ، منذ وطئتْ أقدامُهم ديارَ الشامِ إلى أن كانتْ معركةُ حطينَ .

بدأتْ هذه الحربُ يومَ الجمعةِ السابعَ عشرَ من ربيعِ الآخرِ ، وكان صلاحُ الدينِ يتعمدُ أن يواقعَ العدوَّ يومَ الجمعةِ ، تبركاً بدعاءِ الخطباءِ على المنابرِ ،لأنه يعلم يقيناً أن إعدادَ القوةِ إنما هو سببٌ من الأسبابِ ..يقول الله جل جلاله (( وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ )) فجمع صلاح الدين جيوشَه كلَّها ، ونزل على بحيرةِ طبرية ، وكانتْ جيوشُ الصليبيين قد اجتمعتْ كلُّها في مَرج صَفُورِية ، بأرضِ عكّار ، وكانتْ هذه أولُ مرةٍ تجتمعُ فيها قوى الطرفين جميعاً على تعبئة واحدة ، وفي جبهةٍ واحدةٍ ، وأخذ الجيشُ مواقعَه ينتظرُ أن يهاجمهَ الإفرنج ، فلما لم يتحركوا ولم يهاجموا ، ترك صلاحُ الدينِ الجبهةَ على حالهِا ، وتوجه بقسمٍ من الجيش إلى طبريةَ ، ففتحها بعد معركةٍ قصيرةٍ ، ولم يكنْ قصدُه طبريةَ بالذاتِ ، بل كان قصدهُ استدراج الإفرنجِ لتكونَ المعركةُ في المكانِ الذي اختاره ، وهكذا كان ، فإن الجيوشَ الصليبيةَ تحركتْ نحوَ طبريةَ ، فترك صلاحُ الدينِ في المدينةِ حاميةً صغيرةً ، ورجع إلى الجبهةِ التي بقيتْ على حالهِا ، واضطر الإفرنجُ إلى منازلتِه في مكانِه ، فكانتْ المعركةُ على سفحِ جبلِ طبريةَ الغربيِّ ، وامتدتْ إلى مساءِ الخميسِ الثاني والعشرين من ربيعٍ الآخر ، فحجز الليلُ بين الطرفين فلما طلع النهارُ استؤنفتْ المعركةُ ، واشتد القتال ، واستمرتْ المعركة إلى غروب الشمس.. وفي صباحِ السبتِ ، استؤنفتْ المعركةُ مرةً ثانيةً ، واستماتَ الإفرنجُ في القتالِ ، وكادوا يطوِّقون جبهةَ صلاحِ الدين ، فأمر الخطباءَ أن يحمسوا الناسَ ، وأن يذكروهم بالله ، وأن يحركوا في نفوسهم قوةَ الإيمانِ ، وهي أقوى سلاحٍ لنا على عدِّونا ، ثم أمر بالهجومِ العامِ، فصاح المسلمون صيحةً واحدةً ، وكبروا تكبيرةً ..الله أكبر ..الله أكبر ..اهتز لها السهلُ والجبلُ ، وهجموا كالسيلِ الدفاعِ ، فتضعضع جيشُ الإفرنج ، وكان حاكمُ طرابلسَ بمثابةِ المدبرِّ لهذا الجيشِ ، فلما رأى هذا الهجومَ هرب إلى صُورَ وترك  المعركةَ ، فكان ذلك من أسبابِ الهزيمةِ ، فلم تمرْ ساعتان حتى انسحب الإفرنجُ انسحاباً مضطرباً بلا نظام ، فاعتصموا بـ تل حطين.

ولحقهم صلاحُ الدينِ ، وكانتْ المعركةُ الكبرى يومَ الأحدِ الخامسِ والعشرين من ربيعٍ الآخر ، فانهزم الصليبيون هزيمةً كاملةً ، وأُسرَ ملوكُهم ، ولم يأت الخامسَ عشرَ من رجب من تلك السنةِ سنة ثلاثٍ وثمانين بعد الخمسِمائة حتى حُررتْ القدسُ واستُرِدتْ من أيدي الصليبين .

ويومَ نجح صلاح الدين في استردادِ القدسِ أتى من النبلِ والكرمِ والمروءةِ في التعامل مع الصلبيين ، ما لم يفرغْ بعد مؤرخو الإفرنجِ من الكلامِ فيه وتقديرِه .

آلا إنها دعوة لأن يحتذي حكام المسلمين بهذا البطل العظيم ..الذي سخر حياته كلها من أجل لا إله إلا الله .

آلا إنها دعوة لتقريب العلماء الصادقين ..فهم المعين بعد الله تعالى لإصلاح الأمور

آلا إنها دعوة لإصلاح النفوس والسير على ما سار عليه محمد صلى الله عليه وسلم كي ينزل الله تعالى نصره علينا ...

آلا إنها دعوة لقراءة سير العظماء ..ومعرفة كيف غيروا واقعهم ..كي نستفيد من تجربتهم ..وصدق القائل :

اقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر *** ضل قوم ليس يدرون الخبر